أحمد مصطفى المراغي
55
تفسير المراغي
وقد أثبت البحث العلمي غليان البراكين ، وهي جبال النار التي في باطن الأرض ، وتشهد لذلك الزلازل الشديدة التي تشق الأرض والجبال في بعض الأطراف كما حدث في مسّينا بإيطاليا سنة 1909 م ، وحدث في اليابان بعد ذلك . و جاء في بعض الأخبار « إن البحر غطاء جهنم » . وبعد أن عدد ما يحدث من مقدمات الفناء وبطلان الحياة في الأرض وامتناع المعيشة فيها - أخذ يذكر ما يكون بعد ذلك من البعث والنشور فقال : ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) أي وإذا زوجت الأرواح بأبدانها حين النشأة الآخرة ، قاله عكرمة والضحاك والشعبي . وفي هذا إيماء إلى أن النفوس كانت باقية من حين الموت إلى حين المعاد ، فبعد أن كانت منفردة عن البدن تعود إليه . ( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ؟ ) أي وإذا سئلت الموءودة بين يدي وائدها عن السبب الذي لأجله قتلت ، ليكون جوابها أشد وقعا على الوائد ، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته . وقد افتنّ العرب في الوأد ، فمنهم من كان إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها ، أمسكها مهانة إلى أن تقدر على الرعي ، ثم ألبسها جبة من صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى إبله ، وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية قال لأمها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء حتى إذا بلغها قال لها انظري فيها ، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تسوى البئر بالأرض ، ومنهم من كان يفعل ما هو أنكى وأقسى من ذلك . فيا للّه ، ما أعظم هذه القسوة بقتل البريئات بغير جرم سوى خوف الفقر أو العار ، وكيف استبدلت الرحمة بالفظاظة ، والرأفة بالغلظة ، بعد أن خالط الإسلام قلوبهم ، ومحا وصمة هذا الخزي عنهم .